Tuesday, June 29, 2010

التغريب في مواجهة التعريب

جريدة الجريدة
العدد 860 - 18/02/2010
تاريخ الطباعة: 30/06/2010


التغريب في مواجهة التعريب
Ahmad Najib Burhani - Jakarta Post

يشعر العلماء الذين تلقوا تعليمهم في الشرق الأوسط بأنهم يتمتعون بثقافة وافية في الإسلام أكثر من خصومهم، حتى أنهم يتهمون العلماء الذين تلقوا تعليمهم في الغرب بأنهم يضمرون نية سيئة عند دراسة الإسلام.

غالباً ما تُعتبر العولمة مرادفة لمفهوم التغريب، أي تنامي تأثير القيم الغربية التي تدخل في مواجهة أو منافسة مع القيم والهوية المحلية، لكن في بلدٍ مثل إندونيسيا، يمكن أن تعني العولمة أيضاً التعريب، أي عملية تبنّي الثقافة والتقاليد العربية.

بنظر بعض المسلمين في إندونيسيا، يُعتبر تزايد الانتساب إلى المنظمات التي تتخطى حدود الوطن الواحد، مثل «حزب التحرير»، و»الإخوان المسلمين»، و»جماعة التبليغ»، و»الجماعة الإسلامية»، خطراً على حركة التعريب.

من وجهة نظر جغرافية، لا يصحّ اعتبار هذه الحركات كعوامل تعزز تيار التعريب. لم تُؤسَّس المنظمتان الأخيرتان في بلدان عربية وليس لديهما مراكز رئيسية في الشرق الأوسط.

نشأت «جماعة التبليغ» في باكستان ولاقت دعماً واسعاً في أوروبا حيث انتسب إليها أعضاء كثيرون، في حين تشكل «الجماعة الإسلامية» حركة سرية لا قاعدة أو أعضاء واضحين لها، لكن من وجهة نظر دينية، تتشابه هذه المنظمات على مستويات عدة مثل طريقة فهم الدين وتطبيقه.

في القرن الماضي، كان التعريب يعني الأسلمة، ولم يكن يطرح أي خطر. على مستوى التدين، كان العرب المسلمون يفخرون بالإندونيسيين المسلمين باعتبارهم إخوة كبارا لهم، وكان كل ما يأتي منهم يُعتبر شكلاً أفضل من الإسلام فيتقبلونه لتجديد عملية أسلمة مجتمعاتهم.

فضلاً عن ذلك، يعتبر بعض سكان القرى في إندونيسيا أن الثقافة واللغة العربية لديهما هالة من القداسة، ببساطة لأن القرآن مكتوب بالعربية، ولأنّ النبي محمد عربي، ولأن بعض الدعاة الذين أدخلوا الإسلام إلى أندونيسيا كانوا من العرب.

مع تقلّص العالم بسبب العولمة، حصل تحوّل في نظرة المسلمين في إندونيسيا إلى الثقافة العربية والشعب العربي. بدأ هذا التحول بسبب عاملين: تزايد عدد مراكز تعليم الشريعة الإسلامية في بلدان غير عربية، وتحديداً في الغرب، وسهولة الوصول إلى وسائل الإعلام، وتحديداً التلفزيون والإنترنت.

في السابق، كانت مراكز تعليم الشريعة الإسلامية تنحصر في الشرق الأوسط مثل الأزهر (مصر)، مكّة والمدينة (المملكة العربية السعودية)، ومدينة قم (إيران).

أما اليوم، فقد ظهر عدد من المؤسسات المنافِسة في أوروبا وأميركا الشمالية مثل لايدن (هولندا)، والسوربون (فرنسا)، ومركز الدراسات الشرقية والإفريقية (لندن)، وشيكاغو (الولايات المتحدة)، ومونتريال (كندا). يواجه مركز الأزهر الذي يحتلّ المقام الأعلى منافسة من مراكز أخرى مثل جامعتي شيكاغو وماكجيل.

توجد نسبة مهمة من العلماء المسلمين في إندونيسيا الذين لم يتخرّجوا من جامعات في البلدان العربية بل في أوروبا والولايات المتحدة. من الأمثلة على ذلك، نذكر: نورشوليش مجيد، أمين رايس، أحمد سيافي معرف، ودين شمس الدين.

نتيجةً لهذه المنافسة التي تواجهها مراكز تعليم الإسلام، انقسمت السلطة الدينية واحتدم الخلاف حول من يملك السلطة للتكلم باسم الإسلام في إندونيسيا.

من جهة، يدّعي العلماء الذين تلقوا تعليمهم في الغرب أنهم يتمتعون بجميع المعارف اللازمة والنصائح التحليلية لتفسير رموز الإسلام الجوهرية، وتقديم المعنى الصحيح للقرآن والأحاديث الشريفة بشكل يتطابق مع الزمان والمكان المعاصرَين. كذلك، يزعم هؤلاء أن بعض العلماء الذين تلقّوا تعليمهم في الشرق الأوسط تنقصهم الأدوات التحليلية والحس النقدي في فهم الإسلام.

ومن جهة أخرى، يشعر العلماء الذين تلقوا تعليمهم في الشرق الأوسط بأنهم يتمتعون بثقافة وافية في الإسلام أكثر من خصومهم، وتحديداً على مستوى التعامل مع المراجع في اللغة العربية.

حتى أنهم يتهمون العلماء الذين تلقوا تعليمهم في الغرب بأنهم يضمرون نية سيئة عند دراسة الإسلام... كما أنهم يخضعون للأفكار الغربية التي لا تتناسب مع الإسلام.

إن الجدل القائم بين تيارين من العلماء هو ذو طبيعة أكاديمية، علماً أن هذا الجدل كان عقيماً في مناسبات عدة وأدى إلى أعمال عنف، ويتمحور هذا الجدل حول طبيعة الإسلام التي يجب تطبيقها في إندونيسيا. هل يجب أن يتبع الشعب، بحسب مصطلحات فريز نور، الإسلام «المستوحى من الغرب» أو الإسلام «المشتق من العرب»؟

يتعلق سبب التحول الثاني بالشعب نفسه، وتُعتبر والدتي مثالاً حياً على ذلك؛ إنها امرأة تقية، وقد أدت فريضة الحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهي أستاذة دينية في مسجد محلي، في بلدة صغيرة في شرق جافا.

تخرّجت من مدرسة داخلية إسلامية تقليدية، ما رفع مستوى لغتها العربية إلى درجة متوسطة، غير أن خلفيّتها الثقافية في اللغة العربية لم تعلّمها شيئاً عن تنوّع الشعوب العربية وثقافتهم. بالنسبة إليها، كل ما هو عربي هو إسلامي. في أحد الأيام، خلال زيارتها إلى منزل أخي في جاكرتا، سمعت أغنية عربية على التلفزيون، فظنّت أنها نشيد ديني لأن الأغنية تضمّنت مصطلحات دينية عدة مثل «حبّ» و»الله».

سرعان ما شعرت بالدهشة والحيرة حين أدركت أن الأغنية كانت تؤديها راقصة شرقية، ومع أن هذه الحادثة لم تبدل نظرتها إلى العرب بشكل جذري، لكنها جعلتها تدرك تنوع الثقافة العربية.

يؤثر دور وسائل الإعلام في تصوير الشعب والثقافة على نظرة الشعوب الأخرى إليها، وتؤدي العادات السيئة التي اشتهر بعض الأثرياء العرب وسوء سلوك الشبّان في بعض العائلات من أصل عربي في إندونيسيا، فضلاً عن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات دينية بقيادة العرب (مثل جبهة المدافعين عن الإسلام) وتصوير العرب كبخلاء، إلى تشويه صورة العرب النبيلة في نظر الشعب المسلم العادي في إندونيسيا.

لكن تراجع صورة العرب في نظر عامة الشعب في إندونيسيا لا يعني تلميع صورة الشعوب الغربية، فلايزال الغرب مشهوراً بالانحلال الأخلاقي، ويكمن الحلّ في هذا المجال في بذل جهدٍ لإيجاد هوية أصلية، ومحاولة إنشاء نموذج إسلامي جديد، الإسلام الإندونيسي، الذي يختلف عن المسلمين الغربيين والمسلمين العرب.

* باحث في معهد إندونيسيا للعلوم وفي معهد معارف.

No comments:

Post a Comment